الشناشيل ذاكرة شاخصة ... وتراث غربت عنه الشمس !!

بواسطة عدد القراءات : 1207
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الشناشيل  ذاكرة    شاخصة ...   وتراث  غربت  عنه  الشمس !!

موقع ديوان المحافظة/تحقيق وتصوير: عادل شهاب ألأسدي 

   لكل شعب من الشعوب أرث حضاري وتاريخي وثقافي وعادات يختص بها تشكل  حلقة تصل حاضرة بماضية لما لهذا الإرث  من مكانة في حياته فكل ما يحيط بنا له  معنىً من المعاني يحمل صورة من صور الحاضر والماضي وحتى الطبيعة لا تجد حيزها الوجودي بمعزل عن تأثير الحضارة الإنسانية لما لهذا الموروث من أهمية كبيرة في قاموس الإنسانية ومن هنا  نجد ان  المنضمات الدولية باتت تشغلها فكرة الحفاظ عليها من آفة الزمن وتقلبات الحياة ومن الإهمال والتخريب فرصدت لهذه المهمة الأموال وهيأت لذلك كوادر فنية مختصة من أجل صيانتها وحرصت على درج البعض منها ضمن الإرث الإنساني.

 المدن مثل كائنات تزدهر ثم تشيخ ونحن إذ نُقَلب صفحات تاريخنا نتأمل حياتنا التي نضبت وتجلدت حتى بتنا ننظراليوم  إلى تراثنا بعين الحسرة وكأننا  ننظر إلى جثةٍ هامدةٍ وخرائبٍ دارسةٍ تحكي قصة  تاريخ وحضارة أشرقت ثم أفلت بعد حين.

والبصرة شأنها شان المدن العراقية العريقة اتصفت بسلوكيات جوهرية من نوعها  والشناشيل  بيوت تراثية  تميزت بطرازها المعماري الفريد حتى باتت تشكل جزءا من ماضٍ عتيد  يعود معظمها إلى العهد العثماني المتأخر وينسب  أصل تسميتها إلى اللغة  الفارسية وتعني مكان الجلوس حسب ما جاء بكتاب التويجي ص/ 363 /368 /  والتي أصابها التحريف فيما بعد  وطراز البناء  في ذلك الوقت يشكل سمة من سمات البناء في جميع المدن العراقية وقت ذاك وقد تجد ما يشبه شناشيل البصرة في المدن العراقية خاصة الجنوبية والوسطى ولو أخذنا على سبيل الدراسة والتحري نرى ان  الشناشيل في مدينة البصرة تنتشر في مناطق عدة  مثل منطقة  البصرة القديمة والعشار والزبير وأبي الخصيب لكن البصرة القديمة لها حصة الأسد منها, وما نجده في مدينة البصرة القديمة ومحلة الباشا على وجه الخصوص التي كانت محل سكنى الوالي العثماني ورجال الدولة وكبار الشخصيات واعيان المدينة وقت ذاك, وقد بُنيِت لأغراضٍ متعددةٍ ومازال البعض منها قائماً ليومنا هذا.  

  تمثل الشناشيل أحد العناصر المعمارية الهندسية التي لا يخلو بناؤها من جمالٍ فنيٍ آسرٍ استأثرت بها تلك البيوت التراثية التي يتشكل منها البيت العراقي حينها وقد بنيت لِتُرَسخَ ضرورةٍ اجتماعيةٍ ومناخيةٍ  امتازت بها مدينة البصرة للحفاظ على حرمة البيت العراقي  من أن تطلُ عليها بقية البيوت المتقابلة التي تتلاقى في أقسامها العلوية لتشكل زقاقا ظليلاً هادئاً..

تعد العمارة أمُ الفنون وإن الوقوف على أنماطها القديمة له فوائد إيجابية كونها تمثل انعكاسا تراثياً لا يمكن تجاهله لما له من صلةٍ بالنموذجِ السائدِ للعصر العباسي وتنتشُر الشناشيل أيضاً على ضفاف نهر العشار ومن أهمها بيت الشيخ خزعل أمير المحمرة العربية آنذاك وشيخ كبرى القبائل العربية في حدودنا الشرقية وهي قبيلة كعب ويقال أن الشيخ لم يقم ببناء  البيت إنما اشتراه من جملة بيوت في أماكن متفرقة ولم يسكنها بصورة دائمة بالإضافة إلى بيت الوالي العثماني الذي يطل على نهر العشار والذي كان غزير المياه حينما  كانت تدخله السفن الصغيرة المحملة بأنواع البضائع التي كانت تُخَزن في أمكنةٍ مخصصةٍ تسمى أسياف وهي عبارة عن سقائف تُجَمَعُ فيها البضائع وخاصة الأخشاب المستوردة من بلاد الهند لغرض استخدامها في صناعة الأثاث وبناء بيوت الأغنياء والميسورين وفي مقدمتهم  والي البصرة كما حدثنا المواطن أبو عزيز الذي ناهز الثمانين من سنيهِ العجاف وقد تركت آثار عجلاتها على ملامح وجهه المتغضن  قائلا" تمثل الأخشاب المادة الأولية لبناءِ بيوت الشناشيل  والتي يتم جلبها بواسطة السفن عبر شط العرب من بلاد الهند التي تتصف بمتانتها ومقاومتها  لتقلبات الطقس من الحرارة الشديدة  والرطوبة العالية التي تتميز بها مدينة البصرة وأفضل الأنواع المستخدمة المسمى بخشب الصاج  ويقوم بتشييد بيوت الشناشيل فنانون مهرة يطلق عليهم تسمية ( اسطوات) حيث يتميز عملهم بالدقة والمهارة وجمال الحرفة ولذلك  نجدها عامرة ليومنا هذا رغم عاديات الزمن ولأكثر من قرن ونصف  , وتتصف الشناشيل في تصاميمها الهندسيةِ بطابعها الشرقي الذي يتناسب والوضع الاجتماعي السائد آنذاك.

ويصف لنا الدكتور محمد قاسم نعمة في جامعة البصرة الكيفية التي تبنى عليها بيوتات  

الشناشيل موضحاً " غالباً ما تطل واجهاتها على شارع عام إذ يتقدم البيت  باب خشبي  ذو مصراعين تُزين النصف العلوي من المصراع الثابت مطرقة برونزية يعلوها عقد نصف دائري

بين المسافة المحصورة  وبين باطنه وعتبة الباب العليا زخرفة هندسية قليلة البروز على هيئة نجوم ويؤطر الباب تَقُعر ليكون متراجعاً عن مستوى الجدار الخارجي للبيت بنصف متر تقريبا وحينما تنظر في هذا الطابق ترى مهارة متجانسة عالية الصنعة  تشكل زوايا قائمة كأسنان المنشار وهي معالجة بارعة استخدمها المهندس العربي من اجل تقويم البيت وجعل البروزات تمتد فوق الزقاق وتتألف من مجموعة من الشبابيك المزججة والمتحركة ذات زخارف دقيقة محفورة ومحزمة تدعو للإعجاب والتأمل .

وأوضح  نعمة قائلا" أما أسطحها من الخارج فلم يبق للستائر العليا اثر في معظمها بسبب تساقطها وما تبقى منها سوى أعمدة خشبية ثابتة على الجدران بانتظار من ينجدها , مضيفاً إن " من السمات المعمارية التي صممت عليها بيوت  الشناشيل هو إضافة  عنصر التهوية ونفوذ الضوء إلى داخل الغرف وقد أصبحت  سمة ليس للعمارة العربية حسب إنما في المناطق التي تتصف بأجوائها الحارة حيث طورها الأوربيون وقد أطلق عليها المعماري الفرنسي (لي كوبوزيه) "بكاسرة الشمس " وصنفها من الأبنية الحديثة..      

 

 وفيما يخص الجانب السياحي  وما أفضى إليه واقعها أطلعنا " خبير آثار وتراث البصرة  مدير آثار سابقا هاشم محمد علي العزام  قائلا " بعد أن هاجروا سكنت مدينة البصرة القديمة في بداية القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي واستوطنوا مدينة البصرة الحالية باشروا بأعمار المدينة فازدهرت وتطورت على مر السنين واخذ الميسورين منهم محاولة بناء دور فارهة لهم وذات ريازة لتتميز بها  حيث اتخذوا الشناشيل طراز لها فعمدوا إلى  تزين الأبواب والشبابيك بالزخارف وحتى في داخل بيوتهم كما واستخدموا الأعمدة ذات التيجان فضلا عن الشبابيك المزججة والملونة لتمنح البيت شيئًا من الجمال وقاموا بتغليف سقوفها بزخارف هندسية لإخفاء تلك السقوف المبنية من الأعمدة الخشبية, ومن الفقرات المضافة  لشكل البناء هو إنشاء فتحات لغرض التهوية يطلق عليها اسم  (البادكيرات) أما أفنيتها الداخلية هي عبارة عن ساحات وَسَطية بُلِطَت  بالطابوق( ألفرشي) كما وتحيط بها( الطارمات) و الغرف, وتابع العزام قوله اليوم تعاني هذه البيوت التراثية المهمة الكثير من الإهمال والاندثار بسبب عدم تخصيص مبالغ سنوية لإدامتها وصيانتها وخصوصا بعد توقف العمل بمشروع تطوير الدور التراثية في تسعينات القرن المنصرم ونحن هنا ومن حرصنا الوطني وحبنا لمدينتنا مدينة  البصرة العريقة نناشد وزارة السياحة والآثار أعادت ملكية هذه الدور إلى الوزارة مع تخصيص المبالغ اللازمة لتطويرها وفق ما خطط لها قبل البدء بهذا المشروع الذي أطلق عند نهاية السبعينات وتحويلها إلى مشاريع سياحية مهمة ذات جدوى اقتصادي الهدف منها الحفاظ على صورتها التراثية من الاندثار من جانب وإنعاش السياحة ومساهمتها بتشغيل الأيدي العاملة  في جانب آخر..