دار الشؤون الثقافية و«التمويل الذاتي»!
عندما قُضي على حكم الطاغية في العام 2003 تغيرت أمور كثيرة بعضها نحو الأفضل وهو قليل وبعضها الأخر نحو الأسوأ وهو كثير نتيجة لظروف الاحتلال السيّئ الصيت وقلة الخبرة وتخبط السياسيين وجرّهم البلد هم والأميركيون نحو هذا الخراب الذي هو فيه لكن هناك أموراً ظلت على حالها رغم تغيّر الظروف التي نشأت فيها وزوال الدوافع التي كانت وراءها.
وهي أمور تشكل الآن عائقاً كبيراً أمام سير أعمال بعض المؤسسات والمشاريع وحقوق المواطنين المرتبطين بها ومنها مسألة " التمويل الذاتي" الذي لا يزال مفروضاً على بعض المؤسسات المهمة وأصبح يكبّلها ويُضعف عطاءها بشكلٍ واضح .
و من هذه المؤسسات دار الشؤون الثقافية التابعة لوزارة الثقافة وهي ركن أساس من أركان الثقافة في البلد بما تمارسه من نشاطات مهمة متنوعة منها طباعة ونشر نتاجات المؤلفين العراقيين وإصدار العديد من السلاسل والمجلات الثقافية العريقة والقيام بطبع المطبوعات لمختلف الجهات الرسمية وغير الرسمية إضافةً لأعمالٍ أخرى.
وكان من الممكن للدار في الظروف الطبيعية وفي ظل إدارةٍ نزيهة وتحديث مستمر في الخبرات والآلات و أساليب العمل أن تُصبح منارة أساسية لنشر الثقافة الوطنية وتحقيق مردود مادي جيد جداً يمكّنها من زيادة طاقتها الانتاجية وخدمة المثقفين العراقيين بمختلف أصنافهم وأدوارهم بشكلٍ أفضل.غير أن الظروف التي مرت بها الدار منذ العام 2003 كانت ولا تزال سيئة بالنسبة لوضعها المالي والإنتاجي لأسبابٍ عدة منها الإدارة المزاجية أحياناً ومنها نظام التمويل الذاتي وحتى موقعها الجغرافي المعزول البعيد عن متناول المثقفين والجهات التي تتعامل مع الدار في إطار العمل. وهكذا انعكس ذلك سلبياً بالنسبة لموظفيها الذين يعتمدون في رواتبهم و أجورهم على التمويل الذاتي وليس على الخزينة العامة وبالنسبة لنشاطها الثقافي وإصداراتها التي تراجعت إلى بضعة كتب في العام مع تعثر صدور المجلات وتدنّي مكافآت الكتّاب والمترجمين إلى مستوىً لا يليق بهم ولا بالدار نفسها.
و من هنا فإن السكوت عما تعانيه دار الشؤون الثقافية بسبب هذا التمويل الذاتي الآن مساهمة في تكريس الوضع السيئ الذي يمر به النشاط الثقافي في العراق وبالتالي فإن على وزارة الثقافة واللجنة الثقافية في مجلس النواب و غيرهما من المؤسسات المعنية بالأمر السعي لدى أصحاب القرار في هذا الشأن لحل مشكلة التمويل الذاتي التي تعيق الدار عن مواصلة عملها بالطريقة السليمة التي تخدم الثقافة العراقية و مصالح المواطنين المرتبطين بعملها المهني.
فإما إلغاء هذا التمويل ومعاملة الدار كبقية مؤسسات الوزارة الأخرى مالياً أو دعمها بالمنح الثابتة كالسابق تحت رقابة الأجهزة المختصة على الصرف أو تجميد هذا التمويل الذاتي إلى حين تتحسن ظروف البلد ويصبح بإمكان الدار تمويل ذاتها حقاً وتحسين عطائها الثقافي وتوسيع خدمتها للمثقفين ومنهم الكتّاب والمترجمون وربما حتى تعويضهم عما أُصيبوا به من ضرر أو إجحاف أيضاً!


