اقتصاد العراق: حصاد 2019

بواسطة عدد القراءات : 314
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
اقتصاد العراق: حصاد 2019

 متابعات - ديوان محافظة البصرة 

 يواجه العراق صعوبة في تسديد الفاتورة السنوية لتمويل مؤسساته الحكومية المتخمة بالبطالة المُقنّعة وتعيينات الخريجين الجدد – على وفق تقاسمات سياسية – بغاية احتواء الغضب الشعبي على الفشل الحكومي والغرق بالفساد واستنزاف الموارد بشكل متصاعد.

وقد أقرّ مجلس النواب الموازنة العامة، بعد خلافات عميقة بين الاحزاب المُشكلة للنظام بشأن استثمار التخصيصات سياسياً لدعم خطط التوظيف، وحصص الوزارات، والمدن المُدمرة، والمحافظات غير المنتظمة بإقليم.
وتبلغ موازنة العام 2019 نحو 112 مليار دولار، بعجز يصل الى 23 مليار دولار، يجري تسديده من قروض اجنبية (18 قرضاً) وديون داخلية مُدوّرة (لخمس جهات محلية) مستحقة الدفع او مؤجلة بفوائد، اضافة الى برنامج «السندات الوطنية»، والاستمرار بـ»الاقتراض» بضمانة «مؤسسة الصادرات الدولية» لشراء الاسلحة (بضمنها تلك القمعية) والدعم اللوجستي لوزارتي الدفاع والداخلية و»الحشد الشعبي» و»جهاز مكافحة الارهاب» وكل ذلك يكلف نحو 906 مليون دولار.
وضاعفت موازنة 2019 من الاستنزاف المالي للدولة العراقية عما كانت عليه في العام 2018، إذ كان العجز المالي آنذاك 11 مليار دولار.

توقعات مخيفة
ويبدو ملف المديونية العراقية مخيفاً ومحبطاً. ووفقاً لوكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» فالديون ستزيد على مدار الأعوام الأربعة المقبلة. تضع الوكالة العراق عند تصنيف (B-/B).
وتوقع صندوق النقد الدولي (2018) أن ترتفع ديون العراق إلى 132.4 مليار دولار لتصل ذروتها العام 2020 مع 138 مليار دولار. 
و»تفاءل» البنك الدولي بتسارع نمو إجمالي الناتج المحلي العراقي (يبلغ 192.9 مليار دولار – تقرير تشرين الأول 2018) بنسبة 6.2 في المئة في العام 2019 بحكم ارتفاع إنتاج النفط واسعاره. لكنه سيتراجع في السنوات المقبلة الى 2.6 في المئة وذلك حتى العام 2023.
وتحت ثقل المديونية وتراجع مؤشر النمو والاعتماد على مصدر وحيد للدخل القومي (النفط)، بات العراق عملياً يستنزف قدراته المالية واحتياطاته بنظام الاستدانة، وسط زيادة سكانية، وضغط خدماتي، وتهديدات أمنية، واتساع شبكة الفساد، وتضخم الاستهلاك.

أرقام عراقية
وهكذا تراجعت حصة الفرد العراقي من الناتج المحلي الى اقل من مستوياتها المتوقعة قياساً الى الثروة الهائلة والامكانات الاقتصادية غير المستثمرة. فبلغت هذه الحصة من الناتج المحلي نحو 4990 دولار العام 2017 بينما، وللمقارنة، كانت 7000 دولار في العام 1990. وكانت في العام 2006 قد وصلت الى 2000 دولار في أدنى مستوياتها. يفضح هذا المؤشر الاعتماد الكلّي على النفط الذي يترافق مع محاربة أي شكل من الاستثمارات وتعطيل الموارد البديلة. فالنفط سلعة سريعة المكاسب، ولكنها قاتلة للنمو الاقتصادي.

موازنة الفشل
احتسبت موازنة 2019 سعر برميل النفط بـ 56 دولار على أساس معدل تصدير يبلغ 3.880 مليون برميل يومياً، بضمنها 250 الف برميل منتج من حقول اقليم كردستان، وبارتفاع سعري عن العام 2018 الذي احتسب فيه سعر البرميل بـ46 دولار.
وقد يحقق التخمين الحكومي وفرة مالية طفيفة لكنها غير مؤكدة، لجهة مخاطر انهيار سعر اوبك، والمضاربات العالمية ومساعي واشنطن والدول الصناعية الكبرى الى خفض اسعار النفط.
وكان الطرف الكُردي يرفض المسّودة المقترحة للتصويت بسبب معارضته لاحتساب حصة الاقليم بنحو 12.6 في المئة منها، مطالبين بالعودة الى الحصة الثابتة التي كانت 17 في المئة. فرفعتها موازنة 2019 المقرة الى 14 في المئة كحصة عمومية، وضمناً الى 20 في المئة بعد اعتماد سداد رواتب موظفي وزارات حكومة الاقليم الشمالي على حساب بغداد التي ستتحمل ايضاً رسمياً كلفة رواتب قوات «البيشمركة» وزيادة الحصص الاستثمارية للمحافظات الكردية الاربع، بعد إعتبار «حلبجة» محافظة.
وبات العراق يستنزف عملياً قدراته المالية واحتياطاته بنظام الاستدانة، وسط زيادة سكانية، وضغط خدماتي، وتهديدات أمنية، واتساع شبكة الفساد، وتضخم الاستهلاك..
لم تقدم الحكومة حسابات ختامية للموازنات منذ العام 2013. وظلت الخزينة مفتوحة بلا رقابة أو سقف مصروفات لثلاثة اعوام (2013 – 2015) بسبب «ضرورات محاربة تنظيم داعش الارهابي». وثمة اموال مهدورة إلا أنه لم يتم التحقق من وجهتها الاخيرة.
ويستهلك العراق الجزء الاعظم من موازناته في تمويل الانشطة التشغيلية، وهي بالغالب معاشات شهرية. وهي سجلت ارتفاعاً قياسياً جديداً بنسبة 15 في المئة عن العام الماضي، إذ كانت الرواتب الشهرية – للموظفين الفعليين أو المتقاعدين أو للرعاية الاجتماعية – نحو 36 مليار دولار في 2018، بينما هي 52 مليار دولار في موازنة 2019.
كجردة حساب، فموازنة 2019 جاءت بنسبة 75 في المئة تشغيلية، وأما المخصص للاستثمارات والاعمار فهو 27.8 مليار دولار فقط.

آفة الأموال المهدورة
تقول الحكومة أن عدد موظفيها يبلغ نحو 4 ملايين موظف، لكن التقديرات تحمل الرقم الى 7 ملايين، مع احتساب العاملين بالعقود والاجراء اليوميين وافراد الميليشيات ضمن الحشد الشعبي والحشود العشائرية..
بل يؤكد مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أن المستفيدين الفعليين يبلغ عددهم 8 ملايين شخص، أي اقل بقليل من ثلث السكان البالغ نحو 39 مليون نسمة. والنمو السكاني للعراق يكاد يكون الاعلى في العالم اليوم مع مليون ولادة سنوياً. وبدءاً من العام 2023 سيطلق العراق سنوياً مليون خرّيج غير مؤهل الى سوق العمل المُكتظة بالبطالة.
وترتفع قياسياً فاتورة الإنفاق العسكري خلال العام 2019، ما يجعل حصة الداخلية والدفاع الأعلى في الموازنة مقارنة بالوزارات كافة، في حين تصف لجنة الامن والدفاع النيابية حجم الفساد في عقود التسليح العراقية بأنها «توازي موازنات العراق لثلاثة أو أربعة أعوام».
ويستورد العراق ما بين 500 و1200 ميغاواط من الكهرباء من إيران، حسب فصول السنة، بتكلفة تقارب 1.2 مليار دولار في السنة. وهو يهدر حالياً ما يقرب من 2.5 مليار دولار من الغاز الطبيعي سنوياً نتيجة لحرقه، ما يعادل 1.55 مليار قدم مكعب يومياً، وهي عشرة أضعاف الكمية المستوردة من إيران.
فاتورة الانفاق العسكري خلال العام 2019 ارتفعت قياسياً ايضاً، ما جعل الداخلية والدفاع الاعلى موازنة من بين الوزارات. وتصف لجنة الامن والدفاع النيابية حجم الفساد في عقود التسليح العراقية بأنها «توازي موازنات العراق لثلاثة أو اربعة اعوام».

فاتورة باهظة
تدفع الحكومة رواتب تقاعدية لنحو 3.7 مليون متقاعد سنوياً. تستقطب الشبكة 13.5 ألف متقاعد سنوياً فضلاً عن مليوني عاطل ضمن «الحماية الاجتماعية» التي تدفع ما بين 70 الى 120 دولاراَ شهرياً لكل عاطل.
ويضغط البنك الدولي لإنهاء سياسة التوظيف الحكومي عبر تسريح 50 ألف موظف سنوياً ورفع الدعم عن الحاجات الاساسية. لكن مطالباته تصطدم بسياسة التوظيف الزبائنية التي تتبعها أحزاب السلطة لرفع شعبيتها وتوسيع نفوذها، فضلاً عن اعتماد المجتمع الاستهلاكي على اقتصاد الدولة المباشر.
الاجراءات الحكومية فاشلة تماماً في مكافحة الفساد وتخضع لابتزاز جهات النافذة في عموم البلاد. وكخطوة يائسة مضافة أعلن رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي تشكيل ما سماه بـ»المجلس الاعلى لمكافحة الفساد». وهو بدا بوثيقته وكأنه لجنة موظفين منتدبين لاجتماعات روتينية، بينما تبخرت لجان الخبراء الدوليين الذين انتدبهم رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي.
وفي أوائل كانون الاول 2018 اغتال مسلحون ازهر الياسري، مدير عام ديوان الرقابة المالية، الذي تسنّم المنصب خلفاً للمدير السابق إحسان كريم الذي اغتيل ايضاً أمام منزله في تموز 2018.

بلاد غنية.. وفقراء 
وتواجه الحكومة معدل بطالة بنسبة 16 في المئة من حجم السكان المتزايد، في حين ان نسب الفقرمرتفعة: 22.5 في المئة على المستوى الوطني، وأما في المحافظات التي تأثرت بـ»داعش» فتصل إلى 41.2 في المئة، والعراق مصنف بين البلدان الاكثر فساداً محتلاً المرتبة 169 من أصل 180 بلداً (بحسب منظمة الشفافية العالمية في تقريرها الأخير).
وبالرغم من أن مبيعات النفط تتراوح شهرياً بين 6 – 7 مليار دولار، الا ان فاتورة توفير الوقود والغاز الطبيعي لانتاج الكهرباء تستنزف ارباح النفط. مثلاً، يستورد العراق ما بين 500 و1200 ميغاواط من الكهرباء من إيران حسب فصول السنة بتكلفة تقارب 1.2 مليار دولار في السنة. وهو يهدر حالياً ما يقرب من 2.5 مليار دولار من الغاز الطبيعي سنوياً نتيجة لحرقه، ما يعادل 1.55 مليار قدم مكعب يومياً، وهي عشرة أضعاف الكمية المستوردة من إيران.
وتقول عملاق الصناعة النفطية البريطانية (BP) في تقريرها السنوي إن «المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية لعام 2018 اظهرت بأن صادرات الغاز من إيران إلى العراق بلغت 154 مليون قدم مكعب يومياً (13 في المئة من إمدادات الغاز العراقية الحالية)».
ويشتري العراق الغاز الإيراني بسعر 11.23 دولار لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بـ 5.42 دولار دفعتها ألمانيا لشراء غاز أبعد مسافة، من روسيا، أو 6.49 دولار دفعتها الكويت للغاز الطبيعي المسال، أو حتى 7.82 دولار دفعتها اليابان مقابل الغاز الطبيعي المسال.
وفَشِلَ العراق بتأمين 1 في المئة من تقديراته لإعادة إعمار المناطق المدمرة بعد استعادتها من «داعش»، والتي تتراوح كلفتها بين 80 – 100 مليار دولار، بالرغم من عقد مؤتمر الكويت للمانحين. في حين اظهر ما سُمي بـ»الخطة الوطنية لاعادة الاعمار والتنمية» عطب التصورات الحكومية واعتمادها على تقديرات سطحية لعمق الأزمة واتساعها.
وتضع الحكومة العراقية والامم المتحدة والمنظمات الدولية المساندة والمانحة ومنها البنك الدولي، سقفاً طويل الامد يمتد الى 10 اعوام لاعادة الاعمار شرط «الاستقرار التام» و»التوظيف الرشيد للاموال» والحد من الفساد.