فندق شط العرب في البصرة .. الملك غازي..والروائية اجاثا كريستي من ابرز نزلائه .. متى يعود لسابق عهده ؟؟!

يغفو على خاصرة شط العرب كقلعة قديمة، منتصبا كأثر استعماري عنيد لا يتزحزح عن مكانه رغم الحروب والإهمال وتوالي الخراب، يستقبل الشمس من جهة الشرق بمحيا طلق برفاهته على إيقاع مارشات ملكية ضلت طريقها في متاهات الماضي، ويودعها هامسا بحكايا مخملية وأسرار خبأتها أجاثا كريستي في أفاريز نوافذه متماهية مع روحها التي أوقدتها الأحاجي والطلاسم.
ويقول الحاج عبد العزيز السعد الشيخ الذي ترك تسعينه خلفه منذ سنوات "كنت من أوائل الموظفين في مصلحة الموانئ حينذاك، وكانت دائرة صغيرة تعج بالبريطانيين والأجانب الذين استقروا في البصرة حيث كانوا يعملون، إضافة إلى الجنود البريطانيين الذين كانوا يسمونهم وقتها بـ"اللنبي" فضاقت بهم مباني البصرة البسيطة، ففكروا ببناء صرح يتسع لمباهجهم وملذاتهم وربما يذكرهم ببلدانهم".وأضاف "فكانت دائرة الموانئ ومن بعدها فندق شط العرب محطتهم الثانية، حيث وضع أساسه عام 1931، وكان في زمن المرحوم غازي الأول ملك العراق".وتابع السعد مستحثا ذاكرته "اعتقد أنه في سنة 1938، قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، افتتح ذلك الصرح الشامخ من قبل الملك غازي مع افتتاح مطار البصرة القديم الواقع في ظهر الفندق، والذي كان يطلق عليه تسمية "ميناء البصرة الجوي" حيث أصبحت البصرة منفذا بحريا وجويا في آن واحد".وأشار إلى أنه بافتتاح الفندق والمطار "بدأت البصرة عهدا مزدهرا من الحياة التجارية والعمرانية والاجتماعية والفنية إذ كانت تقام فيه الحفلات الضخمة ويدعى له الفنانين والفنانات العالميات والفرق البريطانية والأوربية المسرحية والموسيقية الشهيرة".وحسب العديد من المصادر فإن فندق شط العرب بالبصرة شهد حضور الكثير من الشخصيات الهامة حيث سكنه العالم الاثاري ماكس مالوان وزوجته كاتبة القصص البوليسية العالمية الشهيرة أجاثا كريستي والعالم الجغرافي والبحري "هيردال" صاحب سفينة البردي ذائعة الصيت والشعراء والأدباء العرب والأجانب.وتشير سجلات الفندق إلى أن الغرف 32، 33، 34، 35،36،37 كانت محجوزة في وقت ما باسم الملك غازي مع مطعم خاص به. وتوجد في الفندق صالة أرضية تسع لـ 500 شخص وكانت فيه مدينة العاب، وترسو بجانبه باخرة عراقية عملاقة اسمها "المنصور" على شكل كازينو عائم تقدم شتى أنواع المأكولات لزبائن الفندق.وقال الباحث كاظم فنجان الحمامي "امتد عصر الفندق الذهبي حتى بعد خروج القوات البريطانية عام 1958 التي كانت تجلب الفرق الفنية الموسيقية والمسرحية والغنائية، إذ عمل مزهر الشاوي مدير الموانئ حينها في ستينيات القرن الماضي على الاهتمام بهذا الفندق وإدامته بل عمل على تطويره، حيث انشأ مسبحا مرفقا للفندق تهرع إليه العوائل البصرية صيفا، وجعل يوما للرجال وآخر للنساء، كما كانت تعقد فيه الحفلات والأنشطة الثقافية والاجتماعية المختلفة".وأضاف البحمامي "لكن الحرب الإيرانية العراقية كانت نهاية عصر ازدهار هذا الفندق، إذ تحولت البصرة الى مدينة أشباح بفعل الحرب وحتى بعد نهاية هذا الحرب لم يتنفس فندق شط العرب الصعداء، بل بقى حسيرا يندب حظه العاثر".وتابع "ولكن بعد 9/ 4/2003 وقع الغزاة الجدد شهادة وفاته بعكس ما فعلوا قبل نحو سبعة عقود من إصدار شهادة ميلاده، وكأنهم ندموا على بقاء أثرهم هذا ماثلا لحد الآن في غير بلادهم".وختم الحمامي "نستطيع أن نقول أن هذا الصرح هو ذاكرة البصرة بين احتلالين، وعلى المسؤولين أن لا يتركوه وحيدا يصارع الزمن والرغبات الدفينة".وبعد الاحتلال البريطاني الثاني للبصرة استولت القوات البريطانية على الفندق اذ عسكرت فيه وسدت الطريق الرئيس للفندق وبوابته الرئيسة، التي تفضي إلى منطقة النجيبة، وعملت حاجزا من الكتل الكونكريتية الكبيرة التي سورت محيط الفندق، وبعد انسحاب هذه القوات اتخذته قيادة عمليات البصرة مقرا لها، وبقى مخنوقا بالكونكريت يندب حظه العاثر وأحلام حريته المصادرة التي اغتالها (اليانكي) مرتين، و(الكاكي) الوطني مرات لا حصر لها.وقال محافظة البصرة خلف عبد الصمد "عند استتاب الوضع الأمني وخروج قوات الجيش خارج المدينة حينها سيعود لطرح الفندق كفرصة استثمارية، لاسيما وانه عائد الى الموانىء العراقية، والمحافظة تضع فندق شط العرب في مقدمة اهتمامها وإعادة توظيفه في قطاع السياحة، لكن قبل كل هذا هو العمل على ايجاد البديل للقوات التي تشغله، ولدينا مساع جادة بهذا الخصوص".وأوضح "شكلنا لجنة من مجلس محافظة البصرة لبحث إمكانية إخلاء الفندق الذي تشغله قيادة العمليات حاليا بعد خروج القوات الأميركية".بدورها قالت بسمة السلمي رئيس اللجنة القانونية في مجلس المحافظة "الفندق من الأماكن التاريخية المهمة في المحافظة تحتفظ الناس بذاكرة مشرقة عنه لا سيما أيام زهوه في السبعينات والمرتبطة بجزيرة السندباد، لكنه يعاني من وجود بعض المشاكل نعتبرها حقيقة معوقات"، لافتة الى أنه "لابد من استغلال فندق المطار الآن بعد الانسحاب الأميركي من أجل تنشيط الحركة السياحية والتجارية، كما هو الحال في القصور الحكومية"..من جهته ذكر عبد الكريم رزوقي مدير سياحة البصرة "اقترحنا على مدير الشركة العامة للموانئ السابق كابتن صلاح، استثمار الفندق، وإعادة إعماره وتأهيله من اجل الاستعداد لخليجي 21، لكننا ورغم ترحيبه بالفكرة، واجهنا مشاكل من بينها أن الأرض ليست ملكا صرفا، وثانيا تبين لنا أن تكلفة التأهيل تصل الى 20 مليار دينار، بالرغم من تأهيله سابقا، أضف الى ذلك أن الجيش يتسلمه حاليا بسبب عدم وجود مقر بديل له في ظل الاوضاع الأمنية الحالية".



