سوق "الهرج" في البصرة اصالة الحاضر وعبق الماضي
موقع ديوان محافظة البصرة / رعد السوداني
يعتبر سوق "الهرج" واحداً من الأسواق الشعبية القديمة في مركز مدينة البصرة ويعود تأريخه إلى عشرينات القرن الماضي, حيث كان يتردد عليه الزبائن من جميع مناطق المحافظة لا بل ذهب ابعد من هذا فقد ارتاده العديد من السياح الأجانب ومن مختلف الجنسيات ليجدوا مقتنياتهم من السلع والبضائع المستعملة ولكنها رصينة ومن مناشيء عالمية, ولكن !(ما كل ما يتمناه المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن), فقد جرت الأقدار على هذا السوق وتحول من هرج ومرج إلى صمت مطبق بعدما غابت الملامح المعتادة عنه وأصبح شيء من الماضي, وانتشرت المصابيح والأجهزة الكهربائية في أغلب معروضاته وفي ليلةٍ وضحاها تحول إلى متجراً للأدوات الكهربائية, كل شيء جميل اختفى حتى الشناشيل البصرية التي كانت سابقاً تطرز واجهة السوق, تحولت إلى صفائح حديدية تعلوا وتغلف سقوف الممرات والمداخل إلى السوق.
تجولنا في أروقة السوق واستطلعنا آراء عدد من أصحاب المحال القدامى حول ماضي السوق وحاضره فاستذكروا تلك الأيام الجميلة بكل شوق ومرارة.
يقول (الحاج أبو مصطفى) يمتهن الخياطة وورثها عن أبيه منذ ستينات القرن المنصرم "لا توجد مقارنة بين ما هو معروض حالياً وما كان يعرض سابقاً من السلع, فقد كان سوق الهرج يعج بالسلع والحاجيات المختلفة من ملابس وساعات أصلية ومسابح وأثاث وأحذية مصنوعة من الجلود الطبيعية", مبينا عن وجود مكان مخصص لصناعة الزي العربي في السوق الهرج, فضلا عن بيع الملابس المستعملة الأجنبية (اللنكة),
وتابع ابو مصطفى قائلا: ان السوق (الهرج) كان محطة لمختلف الزبائن منهم الأجانب والأسيويين الذين يجدون ضالتهم فيه, وعن أهم المحلات التي لازالت تحتفظ بذلك الموروث الشعبي الجميل قال الحاج أبو مصطفى إنها قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.
تركنا أبو مصطفى وفي القلب لوعة على تلك الأيام الخوالي, والتقينا(أبو سلام) وهو صاحب محلً لتصليح الأجهزة الكهربائية (الراديو والتلفاز), هو الآخر حن للماضي.. وعن طبيعة عمله سابقاً وفي الوقت الحاضر قال: "في السابق كانت الأجهزة من مناشيء أجنبية رصينة وأغلبها صناعة يابانية بحكم الرقابة الشديدة المفروضة على دخول البضائع, أما الآن فالبضاعة المتوفرة مناشئها غير جيدة والسبب يعود إلى التاجر العراقي الذي يستوردها ناهيك عن ضعف الرقابة على السلع والبضائع الداخلة إلى السوق العراقي", وعن ذكرياته في سوق الهرج يقول كان هناك تخصص في عملية البيع والشراء فهناك البزاز وهناك من يختص ببيع الأجهزة وكذلك التحفيات الأثرية والمسابح الأصلية، إضافة إلى الخياطين, وأضاف أبو سلام: "كل شيءٍ تغير في السوق حتى زبائنه وطريقة تعاملهم, فقد كان الزبون في السابق يتعامل بسلاسة أما الآن وبكل أسفٍ يفتقر إلى أبسط مقومات التعامل مع الآخر", وفي خضم الحديث مع أبو مصطفى شاركنا الحوار أحد الزبائن وعلق على مسألة بيع الأدوات الجارحة في السوق وغيره من الأسواق البصرية وعلى مرأى من الناس, وتساءل عن الدور الرقابي للأجهزة المعنية عن هذه الحالة السلبية الدخيلة على مجتمعنا البصري ووضع حدٍ لها.
اما (أبو عماد) صاحب محلٍ لبيع الأدوات النحاسية والتحفيات الأثرية والشعبية حدثنا عن ذكرياته في السوق قائلا: "كان سوق الهرج يزهو في السابق حيث المزايدات على البضائع المعروضة المتنوعة, وتبدأ عملية المزايدة من أدنى مبلغ مالي حتى ترسوا على من يدفع السعر المناسب لها, ومن السلع التي كانت تعرض للمزايدة الساعات الثمينة من الماركات العالمية وغيرها من الحاجيات", ويواصل أبو عماد حديثه: يضم السوق في السابق عدد من محلات الصرافة لتغيير العملة, وأتذكر جيداً عملية المقايضة التي تجرى في السوق حيث يأتي الهنود الذين يعملون على ظهر السفن الراسية في شط العرب ويجلبون التوابل والعطور ليبادلوها بالتمر والدبس وغيرها من السلع, ولسوق الهرج ذكريات جميلة لاتزال عالقة في مخيلتي ولا تنسى.
انتهى بنا الحديث عند أبي عماد ولكنه لم ينتهي عن السوق الذي يطول السرد عنه ,فهو حكاية جميلة ولكن! غابت ملامحها.



